لم تكن تعلم الطفلة «ملاك صالح» ذات السبعة الأعوام أن ثمة رصاصة عائدة من السماء تترصدها وهي تلعب بفناء منزلها الواقع في «المنصورة الشعبية» وسط عدن.

وجدتها والدتها ممدة على الأرض مغشيا عليها ووجها مخضب بالدماء؛ وفقدت بصرها إثر طلقات نارية وأعيرة أطلقها أحدهم احتفالا في جهة أخرى قريبة من المنزل٬ لتعود الرصاصة حزنا.

سارعت أم ملاك لإنقاذ طفلتها ونقلتها فورا إلى المستشفى٬ أجريت لها عملية استخراج للرصاصة من رأسها. ساعات مضت بقلق٬ لتطمئن بعدها على نجاة طفلتها من موت محقق٬ والنظر عاد نصفه فقط٬ وحرمت إحدى عينيها البصر.

تنهدت الأم متسائلة بصوت مبحوح تملأه الغصة والحزن: «ما الجرم الذي اقترفته طفلتي المدللة لتصاب بوابل من السماء». بيد أن الطفلة ملاك ليست آخر ضحايا هذه الظاهرة٬ هناك عشرات الأطفال ممن كانوا ضحايا استفحال ظاهرة الرصاص الراجع٬ والتي باتت اليوم شبحا يهدد المواطنين في اليمن٬ فإذا كانت قد نجت من موت محقق فغيرها كثيرون فارقوا الحياة دون أي ذنب يقترفونه٬ في الوقت الذي كان فيه القاتل فاعلا مجهولا فإن أكثر الضحايا المسجلين هم الأطفال.

ضمن آخر إحصائيات له سجل مكتب الصحة العامة والسكان بعدن٬ تم رصد إصابة أكثر من 62 شخصا خلال الأشهر الثمانية من العام الحالي 2016 بينهم 15 طفلاً و5 نساء وسط تزايد عدد ضحايا الرصاص الراجع في عدن من الوفيات إلى 20 حالة بينهم 7 أطفال وامرأة٬ وهي أرقام لا تشكل ما نسبته 20 في المائة من الرقم الحقيقي

لضحايا الرصاص الراجع في المدينة.

وفي معرض حديثها لـ«الشرق الأوسط» تذهب رقية صالح اليافعي (ربة منزل) إلى القول مرت أيام الحصار ونحن تحت القصف العشوائي لما يزيد على أربعة أشهر تطير

القذائف والصواريخ فوق رؤوسنا؛ لكننا لم نرتعب كما نرتعب الآن خوفا من الرصاص الراجع الذي يأتينا بصمت من حيث لا نعلم٬ فوقت الحرب تعرف اتجاه القذائف وتختار

مكانا آمنا تلجأ إليه منها٬ لكن عندما تنتهي المعركة يعني أن السلام أعلن بسط سلطته.

وأردفت لا نعلم كيف هي نفسياتهم أولئك الذين يعبرون عن أفراحهم بإطلاق الرصاص في الهواء! هل يعلمون أنها ستنتهي بالسقوط على رؤوس الآمنين؟ كم هي الحوادث

التي عانتها عدن بسبب هذا الفرح المميت٬ مستدركة بالقول: حق للجميع أن يفرح؛ لكن لا يحق لأحد أن يفرح على حساب أرواح الآخرين٬ عندما يتزوج أحدهم يطلقون

الرصاص في الهواء وكأنهم يدشنون صديقهم بموت آخر لا ذنب له٬ يحتفلون بأفراحهم بتدشين أحزان وآلام آخرين.


أخبار متعلقة



جميع الحقوق محفوظة 2022