يصر المسؤولون على أن لبنان «ليس بلد لجوء»، متسلحين بعدم توقيع الحكومة اللبنانية اتفاقية جنيف، العام 1951، الخاصة باللاجئين، في وقت يحل فيه اليوم العالمي لللاجئ اليوم، في 20 حزيران، ولبنان مصنف البلد الأول للجوء في العالم نسبة إلى عدد السكان. وتفيد عملية حسابية بسيطة أنه في مقابل عدد سكان لبنان المتعارف عليه كمقيمين بأربعة ملايين نسمة (حيث لا إحصاء رسميا منذ 1932) هناك أكثر من مليوني لاجئ من مختلف الجنسيات، غالبيتهم الساحقة طبعاً من السوريين.
فمنذ اندلاع الحرب في سوريا توافد إلى لبنان نحو مليوني سوري يتوزعون على نحو الف ومئة منطقة لبنانية، قبل انخفاض عديد المسجلين من بينهم مع المفوضية السامية للاجئين، والتابعة للأمم المتحدة، نحو 300 ألف لاجئ سوري غادروا البلاد في عامي 2014 و2015. وعليه استقر رقم السوريين المسجلين كلاجئين في المفوضية على مليون و48 الفاً و275 لاجئاً، في وقت يقدر فيه عدد غير المسجلين مع المفوضية لاعتبارات شتى بنحو 500 الف سوري ما بين مقيم على حسابه الخاص من الميسورين، ومن لم يتقدم للحصول على صفة لاجئ لأسباب سياسية، والذين وفدوا بعد طلب لبنان من المفوضية التوقف عن تسجيل المزيد من السوريين منذ 31 ايار من العام 2015، وطبعا كان هناك مئة الف فلسطيني سوري جاؤوا الى لبنان وهاجر نصفهم تقريباً في قوارب البحر. تضاف أرقام السوريين إلى نحو أربعين الف لاجئ عراقي (بينهم 20 ألفاً مسجلون مع المفوضية)، وألفي لاجئ سوداني (الف مسجل) ومئات من الصوماليين والإثيوبيين، عدا اللاجئين الفلسطنيين من العام 1948 و1967، بالإضافة إلى آلاف الفلسطينيين (كانوا 25 الفاً في العام 2009) من فاقدي الأوراق الثبوتية وهم غير معترف بهم في لبنان، ليلامس مجموع اللاجئين في لبنان عتبة المليونين و500 الف لاجئ من مختلف الجنسيات.
وبرغم الأعباء الاقتصادية والخدماتية والتحديات السياسية والإنسانية والأمنية التي يواجهها لبنان نتيجة لوجود هذا العدد الكبير من اللاجئين على أراضيه، إلاّ أن عدم توقيعه اتفاقية جنيف للاجئين يخفف من مسؤوليته تجاه تأمين احتياجاتهم، خصوصا الحياتية والاقتصادية، وإن بقي أمنهم واحترام كراماتهم الشخصية وحمايتهم في رأس المتوجبات التي على لبنان الالتزام بها. وعليه، فإن التحول في سياسة إدارة ملف اللجوء، السوري منه تحديداً، والذي انتقل من «النأي بالنفس» في السنوات الأولى للأزمة السورية، إلى وضع الملف بيد وزارة الشؤون الاجتماعية قبل ما يزيد عن عام ونيف، يبقى أسير الأموال التي تدفعها الدول المانحة ومدى الاستجابة لنداء التمويل الذي تطلقه المفوضية كل عام. ومع تأمين نحو عشرين في المئة فقط لغاية أواخر آذار 2016، من نداء المفوضية للعام الحالي، تقفز الأوضاع السيئة للاجئين عامة، والسوريين تحديداً، عبر أرقام صادمة تفضح سوء إدارة هذا الملف على مستوى الأمم المتحدة والعالم. وكانت المفوضية قد طلبت في آخر نداء تمويلي مبلغ مليارين و118 مليون دولار للعام 2016، تأمن منها في الثلث الأول من العام الحالي 500 مليون دولار فقط.
تقول ليزا ابو خالد من مكتب الإعلام في المفوضية السامية لشؤون اللاجئين ان 70 في المئة من اللاجئين السوريين يعيشون تحت خط الفقر الوطني المحدد بـ3.8 دولارات للفرد في اليوم، وهناك 55 في المئة أيضاً يعيشون تحت خط الفقر المدقع (نحو دولارين للفرد في اليوم). الفقر والحاجة المتزايدة في مقابل قلة التقديمات أنتجت نسبة 90 في المئة من اللاجئين الذين يعانون من المديونية، التي تحدد معدلها الوسطي ابو خالد بنحو الف دولار للشخص، في ظل اضطرار 80 في المئة من اللاجئين إلى دفع بدلات إيجار لا تقل عن 200 دولار حداً أدنى ولسكن غير لائق.
وفي مقابل غلاء المنازل وحتى المستودعات والكاراجات والمحال وأكواخ فوق السطوح ومعها أحياناً زرائب الحيوانات التي تم تحويلها إلى «غرف» للإيجار، يعيش 17 في المئة من اللاجئين المسجلين في خيم عشوائية تفتقر تجمعاتها إلى أدنى المعايير الصحية والخدماتية.
هذه الأرقام لا تأتي من العدم، بل تفرضها التقديمات الشحيحة التي ينالها اللاجئون حيث تبلغ نسبة الذين يحصلون على مبلغ 27 دولاراً للفرد في الشهر (أي أقل من دولار يومياً) 55 في المئة من المسجلين في المفوضية فقط، وهذا مبلغ يحصلون عليه من برنامج الغذاء العالمي الذي يعمل مستقلاً عن المفوضية. أما المفوضية فتساهم في بدل إيواء 55 في المئة من القاطنين في أماكن غير صالحة للسكن، بالإضافة إلى الدعم القانوني وتأمين البيئة الصحية والتعليم والاستشفاء والمساعدات الشتائية وقود مازوت وحرامات.
وفي تفصيل الاستشفاء يتبين أن المفوضية تغطي تسعين في المئة من استشفاء الحالات المحدودة المنقذة للحياة، أي العمليات التي يؤدي عدم إجرائها الى الموت (أزمات قلبية وولادات…) وتدفع المفوضية ثلاثة ملايين دولار شهريا على استشفاء اللاجئين وفق ابو خالد. كما تهتم المفوضية بـ15 في المئة من العائلات الأكثر هشاشة (40 ألف عائلة) عبر منح كل عائلة مبلغا نقديا قيمته 175 دولارا.
كل هذا يدفع اللاجئين إلى اعتماد استراتيجيات تأقلم تتصدرها الدفع بأطفالهم إلى سوق العمل. وعليه تعج الحقول الزراعية في لبنان بالعمال السوريين الصغار من عمر ست سنوات إلى 12 سنة، ومن الجنسين، في مقابل يقل عن الف ليرة لبنانية في الساعة، عدا مئات الأطفال الذين يعملون في كاراجات الميكانيك ولدى الصناعيين والحرفيين. يقابل هؤلاء مئات الأطفال المشردين في الشوارع والذين صار التسول مهتهم التي يعاقبون عليها في حال عودتهم بأقل من عشرين الف ليرة في اليوم.
والاستراتيجيات نفسها هي التي تعرض النساء السوريات للاستغلال والإتجار بالبشر من خلال استغلالهن في البغاء كما كشفت الدراسات التي أنجزتها منظمات حقوقية عدة، وأكدتها شبكات الإتجار بالأشخاص التي قبضت عليها القوى الأمنية مؤخراً، ومنها شبكتا «شي موريس» والصفرا وغيرهما، علماً ما خفي أعظم.
وينسحب الاستغلال على اللاجئين كباراً وصغاراً، ورجالاً ونساء من خلال تدني بدلات العمل وعدم تأمين معايير السلامة المهنية وشروط العمل اللائق.


أخبار متعلقة



جميع الحقوق محفوظة 2022