«كم طفلاً تريدين أن ننجب بعد أن نتزوج؟». سؤال بريء كان يتشاركه كل خطيبين مع اقتراب موعد زواجهما في لبنان. فإذا عدنا سنوات قليلة إلى الوراء كان الإنجاب ومنذ بداية الزواج هدفاً أساسياً، ونادراً ما توجد عائلة لديها أقل من ثلاثة أطفال وفي ذلك مفخرة للوالدين، ولو كانت الأوضاع الاقتصادية تفرض أحياناً الإحاطة المتواضعة بالأطفال من ناحية التعليم وتأمين المتطلبات اليومية. لكن المجتمع اللبناني يعيش تغيرات جذرية في هذا المجال مع الاتجاه اللافت نحو سياسة الطفل الواحد، وباتفاق بين الشريكين حتى قبل الزواج لكي تكون الأمور واضحة ولا يسبب هذا الموضوع لهما أي مشكلات لاحقاً.

ففي وقت تتجه بلدان كثيرة إلى رفع معدل الإنجاب بهدف تعزيز جيل الشباب في مجتمعات تعاني من الشيخوخة، تمر التبدلات الاجتماعية مرور الكرام في لبنان وتترك أثرها تدريجاً من دون أن يكون هناك وعي كافٍ لها ولمضاعفاتها ذات الأمدين القريب والبعيد. ولا بد من العودة إلى الأرقام الدولية لملاحظة الفروقات، فوفق الأرقام الصادرة عن الأمم المتحدة كانت الخصوبة الكلية عند اللبنانيات بمعدل ستة أطفال في منتصف القرن الـ20. وفي عام 2004، أصبح المعدل 1.8 طفل واليوم المعدل التقريبي 1.6 طفل، ولهذه الأرقام دلالات خطيرة لأن مستوى الخصوبة الحالي هو ما دون مستوى الإحلال أي أن يكون لكلّ امرأة 2.1 طفل بهدف ألا يتراجع إجمالي حجم السكان. وتشير هذه المعدلات بوضوح إلى الاتجاه التدريجي نحو اعتماد سياسة الطفل الواحد في الأسرة، والأسباب التي تدفع إلى ذلك كثيرة.

 

الأوضاع الاقتصادية أولاً

ما الذي يدفع الأزواج الجدد إلى تبني سياسة الطفل الواحد مع علمهم أن لذلك تأثيرات سلبية عدة، أولها الجدل المستمر مع أهاليهم حول ضرورة الإنجاب أكثر وبعد ذلك التحديات التربوية التي يواجهونها مع الطفل المحروم من الإخوة؟ السبب الرئيسي مادي، فكما يشير سامر وهو أب لطفل واحد «أن الدخل المحدود وارتفاع الأسعار وغلاء المعيشة تضع الزوجان أمام القرار الصعب أي إنجاب طفل والاكتفاء بذلك على رغم رغبتهما في معظم الحالات بأن ينجبا طفلاً آخر أقله».

ويتساءل سامر «ما الذي يشجع على الإنجاب في لبنان؟»، فالعوامل كلها تؤثر سلباً في الزوجين من أسعار الشقق العالية إلى الإيجارات المتزايدة وأقساط المدارس التي تشهد ارتفاعاً كل فترة، فضلاً عن تكاليف أخرى تقصم ظهر الأسر ولو كانت الزوجة تعمل تماماً كما الرجل. والمبدأ السائد اليوم أن عائلة صغيرة «مستورة» أفضل بكثير من عائلة كبيرة غارقة بالديون.

وارتباطاً بالأزمة المعيشية، يفضل أزواج كثر إنجاب طفل واحد وتوفير الحياة اللائقة له من ناحية التعليم والمتطلبات وحتى الجوانب الترفيهية كالسفر والرحلات وتأمين الألعاب المتطورة، على أن يكون هناك أكثر من طفل في العائلة فيعجز الوالدان عن تأمين التوازن. ويرسم ذلك اتجاهاً جديداً للأسرة النواتية اللبنانية حيث تتكون من ثلاثة أشخاص فقط، مع تأخير إنجاب الطفل الواحد قدر الإمكان لكي يتجاوز الشريكان أولاً فترة الإنفاق العالية المرتبطة بالزفاف والانتقال إلى شقة سكنية وغيرها من متطلبات الزواج الحالية.

لكنّ هذا الاتجاه لا يرضي أبداً افراد العائلة الممتدة الأكبر سناً، فالجدان غالباً ما يستمران في معاتبة الزوجين حول قرارهما ما يثير مشكلات ناتجة من اختلاف الرؤية بين الأجيال المختلفة.

 

قرار مصيري لا يخلو من السلبية

يبدو قرار إنجاب طفل واحد بسيطاً في الظاهر، فالزوجان يضمنان بذلك وجود طفل يملأ حياتهما من دون الوقوع في عجز مالي كبير، فمع عمل الزوجة يمكن لهما أن يؤمّنا حياة مقبولة للطفل من مختلف النواحي. إلا أن التأثيرات السلبية كثيرة أيضاً ومنها ما يرتبط بالمجتمع عموماً، فيما هناك مضاعفات أخرى تتعلق بالأسرة نفسها. فكما تشير الباحثة الاختصاصية الاجتماعية هدى فران إلى أن القرارات التي تعتبرها بعض الأسر فردية ذات تأثير اجتماعي وسكاني كبير، لكن ليس هناك من توعية حول هذا الموضوع أو دراسات واضحة حول مضاعفات سياسة الطفل الواحد التي تعتمدها أسر من مختلف الطوائف اللبنانية وفي مختلف المناطق مع تفاوت مرتبط بالعادات الاجتماعية والبيئة المحيطة بالزوجين. فالعائلة الكبيرة تندثر والأزواج الجدد يفضلون أطفالاً أقل، وذلك وفق فران سيكون له تأثيرات بعيدة الأمد من ناحية شيخوخة المجتمع وافتقاره إلى العنصر الشبابي الذي يعتبر المحرك الأساسي للعجلة الاقتصادية، خصوصاً مع ارتفاع نسبة هجرة الشباب، ما يُفقد لبنان أهم ثروة لديه تدريجاً. لذلك، ترى فران ضرورة أن تكون هناك دراسات حكومية دقيقة حول تحولات المجتمع اللبناني تُبنى على أساسها سياسات توعوية مرتبطة بالأسرة وكيفية تنظيم الإنجاب مع دعم الأسر مادياً وإيلاء الأم والطفل عناية أكبر.

أما من ناحية الأسرة نفسها، فتلفت فران إلى تأثيرات عدة يجب أن يتنبه لها الأهل ويكونوا واعين لها. فإنجاب طفل واحد فقط يحرمه من التفاعل الإيجابي الذي يجب أن يكون مع إخوته ولو كان أخاً واحداً أو أختاً واحدة، ولكنه إحساس التكافل والسند الذي يغيب عن الطفل الوحيد. وهذا الشعور يزداد حدة ليس في عمر الطفولة، بل المراهقة حيث يلمس الأهل حاجة ابنهم أو ابنتهم إلى من يشاركه أو يشاركها الحياة اليومية غير الوالدين، وغالباً ما يكون وقتها قد فات الأوان بالنسبة إلى الأهل للإنجاب. وذلك ليس التأثير الوحيد، بل الأهم أن الطفل الوحيد معرض كثيراً للتربية الاتكالية لأن الأمور تكون مؤمنة له وهو يعرف أن طلباته نادراً ما ترفض من جانب أهله. وبما أنه غير معتاد على الشراكة بسبب عدم وجود الإخوة، فهناك خطر كبير يتمثل بتحوله إلى شخص أناني ومنغلق على ذاته ومتطلب. لذلك، في حال كان قرار الطفل الوحيد نهائياً بالنسبة إلى الزوجين، ترى فران أنه من المهم أن يعززان معرفتهما حول السبل الأفضل لتربيته عبر القراءة واستشارة المختصّين النفسيين كيلا يكون قرارهما قد دمّر حياة طفلهما.


أخبار متعلقة



جميع الحقوق محفوظة 2017